الشريف المرتضى

82

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

بذلك على وجوب عبادته ، وإن العبادة إنّما تجب لأجل النعم المخصوصة ، فقال جل من قائل : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً « 1 » إلى آخر الآية ، ونبه في آخرها على وجوب توحيده ، والإخلاص له وألّا يشرك به شيء ، بقوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 2 » . فالسياق - هنا - هو الّذي حدد المعنى ، وخرج بهذه اللفظة « تعلمون » عن معنى العلم المطلق إلى العلم بأمور وأشياء مخصوصة ، فالدلالة المعجمية - هنا - ليست فيصلا في تحديد المعنى المراد ، لأنّها لن تحدد لنا تحديدا واضحا المعنى الصحيح . ولا شكّ في أنّ المعنى - أحيانا - لا يمكن الوصول إليه إلّا بعد تفكير وتأمّل دقيقين ، فقد وردت في القرآن الكريم ألفاظ تطلب السياق توجيه معناها بخلاف الظاهر السابق إلى الفهم ، لأنّ القرآن يحمل بين ألفاظه وجوها دلالية كثيرة يظهرها التأويل والاستنباط « 3 » . ويقف المرتضى عند قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ « 4 » . وفي كشفه عن دلالة المفردات في هذه الآيات يلاحظ المرتضى الترابط القائم بين الألفاظ وأثر ذلك في توجيه المعنى ، فيقول : فأمّا « مقربة » فمعناه يتيما ذا قربى ؛ من قرابة النسب والرّحم ، وهذا حضّ على تقديم ذي النسب ، والقربى المحتاجين على الأجانب في الإفضال . والمسكين : الفقير الشديد الفقر والمتربة : مفعلة ، من التراب ، أي هو لاصق بالأرض من ضرّه وحاجته . . . وقد يمكن في « مقربة » أن يكون غير مأخوذ من القرابة والقربى ؛ بل هو من القرب ، الّذي هو من الخاصرة ، فكأن المعنى أنه يطعم من انطوت خاصرته ولصقت من شدّة الجوع والضر ؛ وهذا أعمّ في المعنى

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان : 21 - 22 . ( 2 ) أمالي المرتضى ، 2 : 187 . ( 3 ) ينظر ظاهرة التأويل وصلتها باللغة : 84 وما بعدها . ( 4 ) سورة البلد ، الآيات : 11 - 16 .